النبي عيسى (ع) روح الله

ولادة عيسى :
العذراءُ مريمُ تعتكفُ (أي: تعتزل الناس للعبادة). فهي منصرفةً ألى صلاتها وتنسُّكها وخشوع وجهها لله بابتهال ودعاء! لقد اعتزلت أهلها، واتّخذت من دونهم ستراً، فلا تراها عين.
وفجأة، تضطرب نفسها الصافية، برهبةٍ وخوفٍ لم تجد لهما تفسيراً، ولاتأويلاً!. وإنها كذلك، وإذ بملاكٍ كريمٍ، في هيئة إنسان سويٍّ، يقتحم عليها خلوتها، فيكر عليا صفاء وحدتها، ويقطعها عما هي فيه من عبادة وصلاة!.
فترتاع... وتحاول الفرار بنفسها، وهي البتول الطهور!.
ويومئُ إليها الملاكُ بألاّ تخاف ولاترتاع. ويقترب منها وئيداً، فتستعيذ منه بالرحمن، وقد استطارت نفسها شعاعاً! (أي خافت خوفاً شديداً)
وهدأ روعُها بعد قليل، ولكن الحيرة عصفت بها من جديد، عندما أفصح الملاك عمَّا أرسل إليه: {.. إنّما أنا رسول ربك لأهب لكِ غُلاماً زكياً}.
- غلام؟... ياللفضيحة، والعار!.. وماذا سيقول عنها قومها، وهي الشريفة النفس، الكريمة الأصل، الطيبة الأرومة، الطاهرة أباً وأماً!؟..
ثم، أنّى يكون لها غلام وهي الناسكة المتعبدة، البتول العذراء، لاتعرف من وجوه الرجال إلاّ زوج خالتها النبي زكريَّا، وكان قد كفلها عندما كانت بعدُ صغيرةً، وبعض الأخيار الأبرار، الذين نذروا أنفسهم لله وعبادته وخدمة المؤمنين!..
وتعود إليها رباطةُ جأشها، فهي أمام رسول ربِّها إليها، فلم الارتياع؟
وتسألُ: {.. أنّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر؟..}
قال الملاكُ: {كذلك قال ربُّك هو عليّ هيِّن. ولنجعله آية للناس، ورحمة منا..}
وتمت كلمةُ ربك! ويختفي الملاك عن الانظار، بعد أن قام بما أمر به، {.. وكان أمراً مقضيا!}.. ويعود القلقُ والاضطرابُ يتأكّلان نفس العذراء البتول، تأكُّلاً!.
وتتصور ألسنة الناس تلوك سمعتها، وعفافها، وطهرها، وهم يقذفون بفاحش القول، وبهتان وافتراء، فينعصر قلبُها، ويغلي دماغها،.. فكيف ستُدافع عن نفسها، وتثبت للناس براءَتها؟..
وتعود إلى منزلها، وقد ضاقت عليها آفاق الدنيا بما رحُبت..
وتقبع العذراء في منزلها، لاتغادره إلاّ لماماً (أي: قليلاً).
وتجد في العبادة سلوى تخفف ماينتابُها من مقلقات الهموم، وعزاءً ينسيها ما ينمو في أحشائِها من "كلمة الله" الذي إذا قضى أمراً فإنّما يقول له كن فيكون!.. وهكذا تقبل مريم على عبادة ربها إقبال الغريق على خشبة الخلاص، وتستغرق في عبادتها استغراقاً ينسيها نفسها، والعالمين،.. ولكن، إلى حين!..
فها هي ذي الأيام تمر مرّ السحاب!.. وها هو ذا اليوم الموعود. فمريم تعاني آلام المخاض!.. وتفرُّ العذراء بنفسها من قريتها إلى البريّة، بعيداً عن الناس، وأعين الرقباء، وألسنة السوء.. فلعلّ الله يجعل لها من أمرها فرجاً ومخرجاً!..
ويُلجئها المخاض إلى جذع نخلة يابسة، فتضع غلاماً يتلألأ جبينه نوراً!..
وتعاودُها الوساوس والهواجس، فما العمل؟. وكيف ستُقابل قومها بهذا المولود الجديد؟.
فتتمتم بالتياع وحرقة: {.. ياليتني متُّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً!} ويدركها مايدرك النفساء من وهن، بعد ان تضع..
إن جسمها الطريَّ ليذوي، كنديِّ النبت الغضِّ في لافح الهجير... فقواها في اضمحلال، ونفسُها في شتات.. وتحاول البكاء، فلا تقطر من مقلتها دمعة واحدة. إن دموعها لم تجف، ولكنها أصيبت بما يشبهُ الاحتراق.. وفجأةً، تعود إليها نفسُها عندما تسمعُ صوتاً يناديها من تحتها، بأنسٍ رقيقٍ، وحنانٍ رفيق:
- {.. ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً. وهزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً. فكُلي واشربي، وقري عيناً!..}
وتمتد يد البتول الى النخلة، وقد كانت قبل سويعة جرداء يابسة لاتصلح إلا للنار، فإذا هي الآن مونعة مورقة، تحمل يانع الثمر، فتهزّها، فيتساقط أمامها الرطبُ(التمر في أوله)، فتأكلُ منه، وتمدُ يدها الى الماء الذي تفجر من تحتها، سلسبيلاً عذباً فتغترف منه وتشرب، وتحمدُ الله، وتشكره، مسلمةً اليه أمرها، قائلة في نفسها:
أليس هذا دليلاً على عصمتي من كل ريبة، وآية من آيات الله البينات؟..
وتحمل وليدها، ويعاودها التساؤل كالسوط يلسع منها العقل والوجدان، فيهتز خاطرها اهتزازاً عنيفاً،..
- كيف ستقابلين قومك بهذا المولود العجيب الولادة حقاً؟.. وهل هم من البساطة لدرجة تصديق دعواك بالسهولة المتوخاة؟
وهل في الدنيا كلها، من قبل ومن بعد، أمٌ دون زوج، وولد دون أب؟
ولكن الله تعالى كفاها مؤونة الجواب: فما عليها إلا أن تلوذ بالصمت، وفاء بنذر صيام عن الكلام:
- {.. فإما ترين من البشر أحداً فقُولي: إني نذرتُ للرحمن صوماً فلن أُكلِّم اليوم إنسيَّاً!}.
واطمأنت إلى هذا الموقف بعض اطمئنانٍ، وارتاحت إليه راحةً يسيرةً.
المعجزة :
{فأتت به قومها تحمله..} متعثرة الخُطى، مضطربة، وجبينها الطهور يندى عرقاً بارداً، فالخطبُ جلل!.. ورماها قومُها بنظرات استهجانٍ واستغراب، وصاحوا مندهشين:
- ماهذا يامريم؟.. لقد جئت شيئاً فريّاً، وأنت الطاهرة المطهرة أصولاً وفروعاً!..
وكاد لسانها يتحركُ، ليدفع عنها تهمة السوء، وفرية الفحشاء. ولكنها استدركت ذلك، فهي صائمة عن الكلام، لا تلكمُ إنسيّا!
وبالتالي، فهي ليست على استعداد للخوض في نقاش وجدل، لايجلبان لها نفعاً، ولايدفعان عنها ضراً!. فأشارت إلى الوليد في مهده. يلفه قِماط، وكأنها تقول لهم: اسألوه!.
فجحظت عيونهم، وتساؤلوا ساخرين: {.. كيف نكلم من كان في المهد صبيا؟}
وتقع المعجزة:..
فإذا بالوليد ينطق في مهده، ولكنه لايدفع عن امه تهمة، ولا يثبت لها براءة، ولايرد عليهم سوء مقال، بل يخبرهم بلسان طلق مبين، بأنه من عباد الله المكرمين، وأنبيائه المجتبين، ورسله المباركين، أوصاه الله بالصلاة وبالزكاة، وببر أمه الصديقة الطاهرة.
قال: {إنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا. وجعلني مباركاً اين ماكنت، وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا. وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً. والسلام عليّ يوم ولدت، ويوم أموت ويوم أُبعثُ حيَّا!..}
فحق عليهم القولُ، ولزمتهم الحجة البالغة، والبرهان الدامغ، يدحضان (أي: يدفعان ويبطلان) كل بهتان، ويصفعان كل اجتراء!..
ولكن،.. هل آمنوا وصدَّقوا؟..
ويأتي الجواب بالنفي، بطبيعة الحال - فبنوا إسرائيل طبعوا على اللجاج والسفاهة، والمكابرة والعناد. لاتقنعهم الحجة، مهما بلغت من إعجاز لايكون إلاّ سماوياً!..
أولم يلاق موسى، من قبل، كل مكابرة منهم، وتعنت وضلال؟..
فلم يؤمنوا بإعجاز هذا الوليد الذي أنطقهُ الله في المهد، ولما يرتو من لبن أمه، بعد، كما أنهم لم يؤمنوا بطهارة أمه الصديقة البتول، فانطلقت السنتهم ببهتان وافتراء، وسوء قيل وقال!..
النبوّة :
وشبَّ عيسى، كما يشب بقية الفتيان، ولكن مخايل النجابة، وسيماء الكرامة (أي: مظاهرها ودلائلها) بدتا عليه، فظهر مهاباً!..
وكان أثناء لعبه مع أترابه، ومخالطته إيّاهم، يحدثهم بما لا تقوى على فهمه عقولهم، وينبئهم بما يأكلون، ومايدّخرون في بيوتهم.
وعندما كان يجلس أمام استاذه في الكتّاب، كان يلحظ كل شاردة وواردة، ويحفظ كل حاضرة وغائبة. فيجد فيه استاذه فتى خارقاً!..
وعندما بلغ الثانية عشرة من سنيّه، صحبته أمّه الى بيت المقدس، حيث استهوته مجالس العلم والعلماء. فكان يحرص على شهودها حرصاً شديداً، مصغياً، متأملاً، مفكّراً... ثم مناقضاً وكأنه يغترف العلم، من البحر، اغترافاً!.. فكان يرد على أحبار اليهود مسفّهاً ما كانوا يعلّمونه عامّة الناس من زخرف القول وزوره، ومبهرج الكلام وباطله، اللذين يخفيان خلفهما ضلالاً كبيراً، وغيّاً عظيماً.. فيقارعهم، ويحجهم،.. فيصمتون مبهورين، وقد علت وجوههم علائم الانكسار..
ويتطلع الناس إليه،... وإليهم، مستغربين!. فيالهذا الفتى في حكمة أجلاء الشيوخ وعلمائهم الأفذاذ!.. وكثيراً ما كان ينسى عيسى كل ماحوله، حتى نفسه، ينساها، فهو في حجاج، مع هؤلاء الاحبار، مستمر، قلّما يهدأ، أو ينقطع، حتى أنه نغص عليهم مجالسهم، فكادوا أن يعافوها!.. وتمضي عليه، وهو في هذا الحال، أيام كثيرة، وشهور..
وتفتقده أمه في كل مكان فلا تعثر له على أثر. فيجن صوابها!..
وبينما هي كذلك، وإذ بابنها بين زمرة علماء، علت صدورهم لحىً كثّة بيضاءُ بيضاء، وهو يناقشهم، بصوت يشيع فيه صادق البرهان، وساطع الحجة والبيان،.. وقد اصفرت منهم وجه. واحمرت عيون، فتخاف عليه سوء العواقب، وتحذر عليه يداً أثيمة تناله بسوء... فتضمه اليها، وتعود به إلى "الناصرة"، مدارج طفولته، وملاعب صباه، بعيداً عن مكامن الخطر والأذى، والعثرات!..
ولما بلغ عيسى الثلاثين من سنّيه المباركة، صدع بأمر الله عزوجلّ، معلناً نبوّته في بني اسرائيل... مفنّداً (أي: مظهراً باطل..) ماهم عليه من كفرٍ وضلال، داعياً إياهم إلى العودة الى الأصول الأولى، والينابيع الصافية، في مصادرها.. والى الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها.
وأخذ يُبيّن لعامة الشعب ماقام به كبار أحبارهم من تزييف لشريعة موسى السمحاء، وتحريف لها. ابتعاء عرض الحياة الدنيا، وتهافتاً على الذهب يكنزونه في خزائنهم، دون أن يعطوا فقراء خلق الله منه شيئاً، بل يسلبون منهم الدينار والدرهم باسم الدين، وخدمة الهيكل!.
وجنّ جنون أحبار بني اسرائيل!.. فما لهذا المبعوث يرميهم بكل فضيحة ونقيصة تقصمان (أي: تقطعان) الظهور؟.. واجمعوا على تكذيبه، ومناوأته.. وألبوا عليه أوغادهم وجهالهم، فما استطاعوا أن ينالوا منه، ويحطوا من شأنه،.. بل كان الأمر على النقيض من ذلك، فلقد ازداد سموّاً وعلوّاً وتحلّق حوله أشياع وأتباع، وتلامذةٌ ومريدون.
آيات ومعجزات :
ويطالب أحبار بني إسرائيل عيسى بالآيات والمعجزات، فلكل نبي أياته ومعجزاته وبيّناته!.. وينهض عيسى لما يطلبون:
- فكان يخبرهم بما يأكلون، ومايدّخرون..
- وكان يصنع لهم من الطين كهيئة الطير، (تمثال طير من طين)، ثم ينفخ فيه،.. فإذا به طائر، من لحم ودم، يطير، محلقاً في الأجواء!..
- وكانوا يأتونه بالرجل منهم، يكون أعمى منذ ولادته، فيمسح على عينيه، فيرتد بصيراً...
- وبالأبرص قد شوّه البرص وجهه، فيمسح على وجهه، فإذا به وسيمُ الوجه، جميل الصورة...
- وكانوا يأتون به إلى الميت، منذ ساعات، أو أيام،.. فيدعو فوق رأسه، فينهض حيّاً!..
- وكان يمشي، أمام بعضهم، أو بعض تلامذته، على الماء، وكأنه يتجول في بستان، ويعود اليهم دون ان تبتل له قدم!.
يفعل ذلك كله، أمام من حضر، مؤكداً أمام الجميع بأن ذلك بأمر الله، وباسمه،.. داعياً إيّاهم إلى الايمان برب السموات والارض، والإقلاع عن كل غيٍّ وفساد!. فآمنت به طائفة، هم حواريّو المسيح، وأنصاره، وتلامذته، وأتباعه، وسمّوه "المعلم" وأطلقوا عليه لقب "المسيح" إشارة إلى أنه كان يمسح بيده المباركة على الضرير والأبرص، كما مر، فيشفيان. وكفرت به طائفة أخرى، وقد أعمى الله البصائر منهم والأبصار، فأطلقوا عليه نعوتاً كاذباتٍ واختلقوا حوله إشاعاتٍ وافتراءاتٍ، فأثيرت حوله زوبعة من صخبٍ وضجيج.
وقضى الله بنصرة نبيّه عيسى(عليه السلام)، وردِّ كيد كل خائنٍ كفار!...
الحواريون والمائدة :
وكان اسلوب عيسى (عليه السلام) في دعوته، الاّ يستقرّ في مكان.. فأرض الله واسعة،... وفيها من خلقه من لم يسمع باسمه، فلم تصله رسالة السماء.
فكان دائماً في حل وترحال، لايهدأ في مدينة حتى يغادرها الى ثانية،.. وما أن يصلها حتى لايمكث فيها طويلاً، فيغادرها إلى قوم آخرين، وهكذا..
وكان يصحبه حواريون وتلاميذ، ارتدوا خشن الصوف، وخلقوا وراءهم الدنيا ظهرياً (أي: جعلوها وراء ظهورهم) فانطلقاو مع "معلمهم" يتصفحون صحائف الكون، والطبيعة، وخلق الله وآياته الباهرات!..أي: جعلوها وراء ظهورهم) فانطلقوا مع "معلمهم" يتصفحون صحائف الكون، والطبيعة، وخلق الله، وآياته الباهرات!..
وبينما كانوا يخلدون للراحة، بعد وعثاء السفر، في أرض قفر، جدباء، وقد أخذ الاعياء والجوع منهم مأخذاً عظيماً، تساءلوا فيما بينهم عن الطعام، ولاطعام لديهم، فتوجهوا بالسؤال إلى "معلمهم" الأكبر عيسى: فقالوا: {.. ياعيسى ابن مريم، هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدةً من السماء؟..}.
وظهرت على محيّا النبي الكريم، علائم استغراب، وخوف، وحذر، فأسرع يجيبهم:
- {.. إتقوا الله ان كنتم مؤمنين!} "ألم تؤمنوا بربكم، بعدما شاهدتم كل هذه المعجزات والبيّنات؟..."
- حاشا لله أن نكون من المكذبين، أو المفترين، أو الشاكّين!.
_ أخاف عليكم الفتنة واللَّجاج المؤديين إلى المكابرة والعناد، وما جزاء ذلك إلاّ خزيُ الدنيا، وعذاب الآخرة المقيم!.
- حنانيك يامعلم!.. ألم تر الينا، وقد انهكنا الجوع، وعضّنا بناب ناهشٍ؟. إننا إذ نطلب اليك ذلك فلكي نطعم منها، فنزداد إيماناً على إيمان، ويقيناً على يقين، وتسليماً على تسليم. وبذلك تشريف لنا، وتخصيص بفضل وكرامة، يفرضان علينا ثابت اليقين والإيمان، بالإضافة إلى مايُتاح لنا من فرصة لنشر الدعوة وتبليغ الرسالة، فلا العنت نبغي ولا اللجاج، ولا المكابرة والعناد، ونحن الذين آمنا، وأشهدنا الله على إيماننا، وكنت انت شهيداً ايضاً، منذ أول ماعرفناك، فعرفنا الحق، وصدقّنا دعوتك، واتّبعناك ولازلنا، وسنبقى إن شاء الله من المهتدين...
فلما تبيّن لعيسى (عليه السلام) صدقُ مقصدهم، وظهر له صحيح ماانطوت عليه دخيلتهم (أي: باطنهم، وسرهم) رفع يديه ووجهَه الى السماء قائلاً بصوت يتفطّر استعطافاً:
- "اللهمّ!.. ربّ السموات والارضين، وما بينهما،... ياباسط اليديد بالرحمة، ياموسع الخلق بالعطاء والرزق، يامن لاتغيض خزائنه، ولاتنقطع مواهبه، يامالك الملك، ياذا الجلال والاكرام: {أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا، وآية منك، وارزقنا وانت خير الرازقين}.
فاستجاب الله تعالى لنبيّه دعوته، ومنحه طلبتهُ:
{قال الله إني منزلها عليكم، فمن يكفر بعد منكم فإني أُعذّبُهُ عذاباً لاأُعذبه أحداً من العالمين}.
وما لبث القوم أن سمعوا حفيف أجنحة، ورأوا مائدة تتهادى من عل، لتستقر فيما بينهم، وهي تفيض بالرزق الوفير، والخير العميم!..
وقبل أن تمتد اليها يد، دعا عيسى أن تكون رحمة لهم ونعمة، وأن يزيدهم الله من فضله...
ثم أومأ بيده اليها، وإليهم، فائلاً، كلوا، واشكروا!
فطعموا منها كفايتهم، وقاموا وقلوبهم تطفح بشراً وايماناً، وهدىً نوراً.
وسمع بذلك خلق كثير، توافدوا إلى عيسى مؤمنين، فتكاثروا، وازداد المؤمنون يماناً!.. وانتشرت رسالة عيسى، وعمّت.. فلها في كل بيت مؤيد ونصير.
وكان عيسى يعلن في كل مشهد ومحفل وناد: {يابني إسرائيل إنّي رسول الله اليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة، ومبشراً برسول يأتي من بعدي، اسمُهُ أحمد!..} وهكذا فدعوته تصديق بماضٍ وتبشير بمستقبل آت!..
ويجمعون، أخيراً، كيدهم ومكرهم، مقرّرين القضاء على عيسى. وليكن مايكون!
فرفعوا أمرهم الى حاكم "بيت المقدس" ملصقين بالمسيح كل تهمة شنعاء،..
وترصّدوا عيسى، فأين يكون؟. وأين المفرُّ؟
واجتهدوا في بث عيونهم وأرصادهم، وكان عيسى قد علم بمكرهم، فلم يهتدوا إليه ولم يعثروا له على أثر. وبينما كان رجال الدين يبحثون في بيت المقدس أمر عيسى، وقد استعصى، واستشرى وحيّرهم أمر اختفائه عن العيون، فاهتّموا واغتمّوا،.. وإذ بيهوذا الاسخريوطي يدخل عليهم، ويا للبشرى!.. إنّ مطّلع على كل تحرّك يقوم به هذا النبي الجديد، في ليل وفي نهار. فيصيحون فرحاً، ويهتزون طرباً، فأين الذي يكذّب كهّان الهيكل ويسفّه الأحبار؟ ويتّصلون بوالي المدينة المقدسة، فيرسل معهم جنداً لإلقاء القبض على هذا المبعوث الجديد. فلعل الفتنة تنقطع، ولعل الناس يهدأون!.
الله يرفع عيسى اليه :
وفي ليلة ليلاء، بينما كان عيسى (عليه السلام) وتلامذته مختبئين في بستان، وإذ بالجند يُداهمهم، فيفر الأتباع مولّين الأدبار. وتتحرك مشيئة الله سريعاً، على غير ما ينتظره أعداء الله، فإذا بعيسى لاتراه عين، وقد كان منذ لحظات بين أيديهم. فكأن الارض ابتلعته، أو رفعته إليها السماء!. ويساهدون رجلاً مقبلاً نحوهم، ويتأمّلونه جيّداً، إنه يشبه عيسى كثيراً،
فيتصايحون:
- هذا عيسى، هذا عيسى؟..
فانقضّوا عليه، وأمسكوا بتلابيبه، ساقوه أمامهم مخفوراً.
اما الرجل، فقد أخذته المفاجأة، فما استطاع كلاماً..
وانهالت عليه حشود الجماهير تتقاذفه أمامها صاغراً ذليلاً!.
عند ذلك أخذ الرجل يصرخ بأعلى صوته: أنا لستُ عيسى، بل أنا الذي دلّكم عليه. أنا يهوذا الإسخريوطي!..
فهزئوا منه مقهقهين. ووصلوا به إلى وسط الساحة وهم يجذبونه جذباً عنيفاً، ويجرّونه جراً شديداً، بعد أن ساروا به على درب الجلجلة، زيادة منهم في العذاب الأليم، والنكال المهين.
وفي وسط الساحة، رفعوه بين الصخب والضجيج، وصلبوه، بعد أن جرّعوه كأساً من علقم، وتوّجوا رأسه بالشوك إكليلاً!..
{.. وما قتلوهُ، وماصلبوهُ، ولكنْ شُبّه لهم، وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شكٍّ منه، مالهم به من علم إلا اتباع الظنّ، وما قتلوه يقيناً. بل رفعه الله اليه، وكان الله عزيزاً حكيماً!}.
(صدق الله العلي العظيم)
يوم المباهلة

آية المباهلة :
قال الله تعالى :
يوم المباهلة :
24 ذو الحجّة 9 هـ .
معنى المباهلة :
قال ابن منظور : ومعنى المباهلة أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء فيقولوا : لعنة الله على الظالم منّا (2) .
صفة المباهلة :
وصفة المباهلة : أن تشبك أصابعك في أصابع من تباهله وتقول : اللهم رب السماوات السبع ، والأرضين السبع ، ورب العرش العظيم ، إن كان فلان جحد الحق وكفر به فأنزل عليه حسباناً من السماء وعذاباً أليماً (3) .
دعوة النبي ( صلى الله عليه وآله ) لأساقفة نجران :
كتب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كتاباً إلى أساقفة نجران يدعوهم إلى الإسلام ، جاء فيه : ( أمّا بعد ، فإنّي أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد ، أدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد ، فإن أبيتُم فقد أذنتم بحرب ، والسلام ) .
فلمّا قرأ الأسقف الكتاب ذُعِر ذُعراً شديداً ، فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له : شَرحبيل بن وداعة ـ كان ذا لب ورأي بنجران ـ فدفع إليه كتاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقرأه ، فقال له الأسقف : ما رأيك ؟

فقال شرحبيل : قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرّية إسماعيل من النبوَّة ، فما يؤمنك أن يكون هذا الرجل ، وليس لي في النبوَّة رأي ، لو كان أمر من أُمور الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك (4) .
فبعث الأسقف إلى واحد بعد واحد من أهل نجران فكلَّمهم ، فأجابوا مثل ما أجاب شرحبيل ، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شرحبيل ، وعبد الله ابنه ، وحبار بن قنص ، فيأتوهم بخبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
فانطلق الوفد حتّى أتوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فسألهم وسألوه ، فلم تزل به وبهم المسألة حتّى قالوا : ما تقول في عيسى ابن مريم ؟ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( إنَّهُ عَبدُ الله ) .
فنزلت آية المباهلة الكريمة ، حاملة إجابة وافية ، قاطعة لأعذار مُؤلِّهِي المسيح ومُتبنِّيه ، وهي بنفس الوقت دعوة صارخة لمباهلة الكاذبين المصرِّين على كذبهم ، فيما يخص عيسى ( عليه السلام ) .
فدعاهم ( صلى الله عليه وآله ) إلى اجتماع حاشد ، من أعزِّ الملاصقين من الجانبين ، ليبتهل الجميع إلى الله تعالى ، في دعاء قاطع ، أن ينزل لعنته على الكاذبين .
قال أحد الشعراء :
تعالوا ندع أنفسنا جميعاً ** وأهلينا الأقارب والبنينا
فنجعل لعنة الله ابتهالاً ** على أهل العناد الكاذبينا
الخروج للمباهلة :
خرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقد احتضن الحسين(ع) ، وأخذ بيد الحسن (ع) ، و فاطمة ( عليها السلام ) تمشي خلفه ، و الإمام علي ( عليه السلام ) خلفها ، وهو ( صلى الله عليه وآله ) يقول : ( إذا دَعوتُ فأمِّنوا ) .
موقف النصارى :
قال أسقف نجران : يا معشر النصارى !! إنّي لأرى وجوهاً لو شاء الله أن يزيل جبلاً عن مكانه لأزاله بها ، فلا تباهلوا فتهلكوا ، ولم يبق على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة ، فقالوا : يا أبا القاسم ، رأينا أن لا نُباهلك ، وأن نقرّك على دينك ، ونثبت على ديننا .
قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( فإِذَا أبَيْتُم المباهلة فأسلِموا ، يَكُن لكم ما للمسلمين ، وعليكم ما عليهم ) ، فأبوا ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( فإنِّي أناجزكم ) ، فقالوا : ما لنا بحرب العرب طاقة ، ولكن نصالحك ، فصالحنا على أن لا تغزونا ولا تخفينا ، ولا تردّنا عن ديننا ، على أن نؤدّي إليك في كل عام ألفي حلّة ، ألف في صفر وألف في رجب ، وثلاثين درعاً عادية من حديد .
فصالحهم على ذلك وقال : ( والذي نَفسِي بِيَده ، إنّ الهلاك قد تَدَلَّى على أهل نجران ، ولو لاعنوا لَمُسِخوا قِرَدة وخنازير ، ولاضطَرَم عليهم الوادي ناراً ، ولاستأْصَلَ الله نجران وأهله حتّى الطير على رؤوس الشجر ، ولما حال الحول على النصارى كلُّهم حتّى يهلكوا ) (5) .
دلالة آية المباهلة على عصمة وأفضلية علي ( عليه السلام ) :
استدل علماؤنا بكلمة : ( وأنفسنا ) ، تبعاً لأئمّتنا ( عليهم السلام ) على عصمة وأفضلية أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ولعل أوّل من استدل بهذه الآية المباركة هو نفس أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، عندما احتج في الشورى على الحاضرين بجملة من فضائله ومناقبه ، فكان من ذلك احتجاجه بآية المباهلة ، وكلّهم أقرّوا بما قال ، وصدّقوه في ما قال .
وسأل المأمون العباسي الإمام الرضا ( عليه السلام ) : هل لك من دليل من القرآن الكريم على أفضلية علي ؟ فذكر له الإمام ( عليه السلام ) آية المباهلة ، واستدل بكلمة : ( وأنفسنا ) ، لأنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) عندما أُمر أن يُخرج معه نساءه ، فأخرج فاطمة فقط ، وأبناءه فأخرج الحسن والحسين فقط ، وأمر بأن يخرج معه نفسه ، ولم يخرج إلاّ علي ( عليه السلام ) ، فكان علي نفس رسول الله ، إلاّ أنّ كون علي نفس رسول الله بالمعنى الحقيقي غير ممكن ، فيكون المعنى المجازي هو المراد ، وهو أن يكون علي مساوياً لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في جميع الخصائص والمزايا إلاّ النبوّة لخروجها بالإجماع .

ومن خصوصيات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : العصمة ، فآية المباهلة تدل على عصمة علي ( عليه السلام ) أيضاً .
ومن خصوصياته :
أعمال يوم المباهلة :
الأوّل : الغُسل .
الثاني : الصيام .
الثالث : الصلاة ركعتان ، كصلاة عيد الغدير وقتاً وصفة وأجراً ، ولكن فيها تقرأ آية الكرسي إلى ( هُمْ فيها خالِدُونَ ) .
الرابع : أن يدعو بدعاء المباهلة ، وهو يشابه دعاء أسحار شهر رمضان ، وهو مروي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) بما له من الفضل ، ونص الدعاء موجود في مفاتيح الجنان فراجع .
ـــــــــ
1ـ آل عمران : 61 .
2ـ لسان العرب 11 / 72 .
3ـ مجمع البحرين 1 / 258 .
4ـ أُنظر : مكاتيب الرسول 2 / 494 .
5ـ إقبال الأعمال 2 / 350 .
بقلم : محمد أمين نجف
| يوم الترويه | |
| يوم عرفه | |
| عبقات... من نسيم عرفات | |
| التوجه الحق | |
| الشرف السامي | |
| انفاس صاعده | |
| اعمال يوم عرفه | |
| عيد الاضحي المبارک | |
| لماذا الاضحي | |
| اتکيت الهدايا | |
| البوم الصور | |
| خلفيات شاشه |
|
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
| ||||||||||||||||||||||||||
|
| ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) | |
| الامام المهدي (عج) في سطور | |
| إمامة الإمام المهدي (عليه السلام) المبكرة | |
| غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) الكُبرى | |
| قدرة الإمام المهدي (عليه السلام) على تغيير حركة التاريخ | |
| المهدي (عليه السلام) في الديانة المسيحية | |
| المهدي (عليه السلام) في المعتقدات الهندية | |
| المهدي (عليه السلام) في معقتدات الزرادشتية | |
| توقيت الظهور | |
| الامام المهدي في كلام امير المومنين | |
| بشائر القرآن بالامام المهدي | |
| اسئلةحول الامام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف | |
| مناجاة شعبانية | |
| افراح | |
| البوم التصاوير | |
| خلفيات الشاشة | |
| ملف ولادة صاحب العصر و الزمان عام 1428 | |
| ملف المهدي (ع) من الولادة الي الظهور عام1427 |
| ولادة الامام السجاد عليه السلام | |
| امام سجاد وتفسيره للقران | |
| كرم الإمام زين العابدين (عليه السلام) وتصدّقه على الفقراء | |
| مدرسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) الفكرية | |
| إمامته السجاد (عليه السلام) | |
| رسالة الإمام السجاد (عليه السلام) في الحقوق | |
| صحيفة الامام السجاد (عليه السلام) السجادية | |
| الجوانب التربوية في أدعية الإمام زين العابدين (عليه السلام) | |
| عبادة الإمام زين العابدين (عليه السلام) ومنزلته العظيمة | |
| مکارم اخلاق الامام السجاد عليه السلام | |
| ما قاله الأعلام في فضائل علي بن الحسين (عليهما السلام) | |
| افراح | |
| البوم التصاوير | |
| خلفيات الشاشة |
العباس ( عليه السلام )
ابن الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام )

اسمه ونسبه :
العباس بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ، أمه فاطمة العامرية الكلابية ، وتُعرَف بأمِّ البَنين ( عليها السلام ) .
ولادته :
ولد ( عليه السلام ) سنة ( 26 هـ ) .
كنيته ولقبه :
يُكنَّى ( أبو الفَضل ) ، ويلقَّب بـ( السقَّاء ) ، و( قَمَر بني هاشم ) ، و( باب الحوائج ) ، و( سَبْعُ القَنْطَرة ) ، و( كَافِل زَينب ) ، و( بَطَل الشريعة ) .
خصاله الحميدة وشجاعته :
في مقاتل الطالبيِّين : كان العبَّاس رَجُلاً ، وَسيماً ، يركب الفرس المطهَّم ، ورجلاه تخطَّان في الأرض .
وفي بعض العبارات : إنَّه كانَ شُجاعاً ، فارساً ، وسيماً ، جسيماً .
وروي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : ( كَانَ عَمُّنا العبَّاس بن عليٍّ نافذ البصيرة ، صَلب الإيمان ، جاهد مع أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، وأبلى بلاءً حسناً ، ومضى شهيداً ) .
وقد كان صاحب لِوَاء الحسين ( عليه السلام ) ، واللِّواء هو العَلَم الأكبر ، ولا يحمله إلاَّ الشجاع الشريف في المعسكر .
ولمَّا جمع الإمام الحسين ( عليه السلام ) أهلَ بيته وأصحابه ليلة العاشر من المحرَّم ، وخطبهم ، فقال في خطبته : ( أمَّا بعد ، فإنِّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ، ولا أهل بيت أبرُّ ولا أوصل من أهل بيتي ، وهذا الليل قد غشيكم ، فاتَّخِذوه جملاً ، وليأخذ كلُّ واحدٍ منكم بيدِ رجلٍ من أهل بيتي ، وتفرَّقوا في سواد هذا الليل ، وذَرُوني وهؤلاء القوم ، فإنَّهم لا يريدون غيري ) .
فقام إليه العباس ( عليه السلام ) فبدأهم ، فقال : ( ولِمَ نفعل ذلك ؟! لنبقى بعدك ؟! لا أرانا الله ذلك أبداً ) .
ثمّ تكلَّم أهل بيته وأصحابه بمثل هذا ونحوه .
ولمَّا أخذ عبد الله بن حزام ابن خال العباس ( عليه السلام ) أماناً من ابن زياد للعباس وأخوته من أمِّه ، قال العباس وأخوته : ( لا حاجة لنا في الأمان ، أمانُ الله خير من أمان ابن سميَّة ) .
ولمَّا نادى شِمر : أين بنو أختنا ؟ أين العباس وأخوته ؟ فلم يجبه أحد .
فقال الحسين ( عليه السلام ) : ( أجيبوه وإن كان فاسقاً ، فإنَّه بعض أخوالكم ) .
فقال له العباس ( عليه السلام ) : ( ماذا تريد ؟ ) .
فقال : أنتم يا بني أختي آمنون .
فقال له العباس ( عليه السلام ) : ( لَعَنَك الله ، ولعن أمانك ، أتؤمِّننا وابن رسول الله لا أمان له ؟! ) .
وتكلَّم أخوته بنحو كلامه ، ثمَّ رجعوا .
مواقفه البطوليَّة في واقعة الطفِّ :
لمَّا اشتدَّ العطش بالحسين ( عليه السلام ) وأصحابه ( رضوان الله عليهم ) ، أمر أخاه العباس ( عليه السلام ) ، فسار في عشرين راجلاً يحملون القرب ، فحمل وأصحابه على جيش عمر بن سعد ، فكشفوهم وأقبلوا بالماء .
فعاد جيش عمر بن سعد بقيادة عمرو بن الحجَّاج ، وأرادوا أن يقطعوا عليهم الطريق ، فقاتلهم العباس وأصحابه حتى ردُّوهم ، وجاءوا بالماء إلى الحسين ( عليه السلام ) .
ولمَّا نَشَبت الحرب يوم عاشوراء تقدَّم أربعة من أصحاب الحسين ( عليه السلام ) ، وهم الذين جاءوا من الكوفة ، ومعهم فرس نافع بن هلال .
فشدُّوا على الناس بأسيافهم ، فلمَّا وغلوا فيها عطف عليهم الناس ، واقتطعوهم عن أصحابهم ، فندب الحسين ( عليه السلام ) لهم أخاه العباس ، فحمل على القوم ، فضرب فيهم بسيفه حتى فرَّقهم عن أصحابه .
ثم وصل إليهم فسلَّموا عليه ، وأتى بهم ، ولكنَّهم كانوا جرحى ، فأبوا عليه أن يستنقذهم سالمين ، فعاودوا القتال وهو يدفع عنهم ، حتى قتلوا في مكان واحد ، فعاد العباس إلى أخيه وأخبره بخبرهم .
ولما اشتدَّ العطش بالحسين ( عليه السلام ) وأهل بيته وأصحابه ( رضوان الله عليهم ) يوم العاشر من المحرَّم ، وسمع عويل النساء والأطفال يشكون العطش ، طلب العباس ( عليه السلام ) من أخيه الحسين ( عليه السلام ) السماح له بالبراز لجلب الماء .
فأذن له الحسين ( عليه السلام ) ، فحمل على القوم ، فأحاطوا به من كلِّ جانب ، فقتل وجرح عدداً كبيراً منهم ، وكشفهم وهو يقول :
لا أرهـبُ الموتَ إذا الموتُ رَقَـا ** حتى أواري في المصَاليتِ لُقَى
نفسي لنفسِ المُصطَفَى الطُّهر وَقَا ** إنّي أنا العبَّاس أغدو بالسـقَا
ولا أخافُ الشرَّ يوم المُلتَقَى
ووصل إلى ماء الفرات ، فغرف منه غرفة ليطفئ لَظَى عطشه ، فتذكَّر عطش الحسين ( عليه السلام ) ، ورمى بالماء وهو يرتجز ويقول :
يَا نفسُ مِن بعد الحُسين هوني ** مِن بعدِهِ لا كُنتِ أن تَكُوني
هَذا الحسـينُ وَارِدَ المَنــونِ ** وتشـرَبينَ بَاردَ المَعيـنِ
تاللهِ مَا هَذي فِعَال دِيني
فملأ القربة وعاد فحمل على القوم ، وقتل وجرح عدداً منهم ، فكمن له زيد بن ورقاء من وراء نخلة ، وعاونه حكيم بن الطفيل السنبسي ، فضربه على يمينه ، فقطعها ، فأخذ ( عليه السلام ) السيف بشماله ، وحمل وهو يرتجز :
واللهِ إنْ قَطعتُمُ يَمينـي ** إنِّي أُحَامي أبداً عن ديني
وعَن إمامٍ صَادِقِ اليقين ** نَجلُ النبيِّ الطاهِرِ الأمينِ
فقاتل ( عليه السلام ) حتى ضعف ، فكمن له الحَكَم بن الطفيل الطائي من وراء نخلة ، فضربه على شماله فقطعها ، فقال ( عليه السلام ) :
يا نفسُ لا تَخشي مِن الكُفَّارِ ** وأبشِري بِرَحمة الجَبَّارِ
مَعَ النَّبـيِّ السـيِّد المختار ** قَد قطعوا بِبَغيِهم يَساري
فأصْلِهِم يَا ربِّ حَرَّ النَّارِ
فأخذ القربة بِفَمِه ، وبينما هو جاهد أن يوصلها إلى المخيَّم ، إذ صُوِّب نحوه سهمان ، أحدهما أصابَ عينه الشريفة ، فَسالَت ونبت السهم فيها .
وأمَّا الآخر فقد أصاب القِربة فَأُرِيق ماؤها ، وعندها انقطع أمله من إيصال الماء ، فحاول أن يخرج السهم الذي في عينه ، فضربه ملعونٌ بعَمَود من حديد على رأسه فقتله .
فلمَّا رآه الحسين ( عليه السلام ) صريعاً على شاطئ الفرات ، بكى وأنشأ يقول :
تعدَّيتُمُ يا شرَّ قومٍ ببغيكم ** وخالفتُمُ دِينَ النبيِّ محمَّدِ
أما كانَ خير الرسْل أوصَاكُم بِنا ** أمَا نَحنُ مِن نجلِ النبيِّ المُسدَّدِ
أما كانت الزهراء أمِّي دونكـم ** أمَا كَان مِن خيرِ البريَّة أحمَدِ
لُعِنْتم وأُخزِيتُـم بما قد جَنَيتُـمُ ** فَسـوفَ تُلاقوا حَرَّ نَارٍ تُوقَّدِ
وقد قال الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، حين قتل أخوه العباس ( عليه السلام ) : ( الآن اِنكَسَرَ ظَهرِي ، وقَلَّتْ حِيلَتي ) .
فمضى أبو الفضل العباس وأخوته من أمِّه ، شهداء يذبُّون عن حرم الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وحرم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ضاربين أروع أمثلة الشرف ، والعِزَّة ، والكَرَامة ، والإباء ، والمواساة ، والإيثار ، والوفاء .
وأما أمُّه أم البنين ( سلام الله عليها ) فقد قالت فيهم :
لا تَدعُوَنِّي وَيـكِ أمَّ البنين ** تُذكِّرينـي بِلِيـوثِ العَريـنْ
كَانت بَنونٌ ليَ أُدعَى بهـم ** واليومُ أصـبحتُ ولا مِنْ بَنينْ
أربَعةٌ مِثل نُسـور الرّبَـى ** قَد واصَلُوا الموتَ بِقَطعِ الوَتينْ
تنازع الخِرصان أشلاءهم ** فَكُلّهم أمسَـى صَريعاً طَعِينْ
يَا لَيتَ شِعري أَكمَا أخَبَروا ** بأنَّ عَبَّاسـاً قَطيـعُ اليَمينْ
فسلامٌ عليك يا أبا الفضل العباس ، وعلى أخوتك : عبد الله ، وجعفر ، وعثمان ، يوم وُلِدتُم ، ويوم استَشهَدْتُم ، مظلومِينَ محتسبين ، ويوم تُبعَثون أحياءً في جنَّة الخلد والرضوان .
![]() |
الوليد السعيد |
![]() |
أخلاق سيد الشهداء عليه السلام |
![]() |
جود الإمام الحسين ( عليه السلام ) وسخاؤه |
![]() |
حلم الإمام الحسين ( عليه السلام ) وتواضعه |
![]() |
شخصية الإمام الحسين عليه السلام |
![]() |
صفات الإمام الحسين ( عليه السلام ) الجسمية وهيبته |
![]() |
حكم الإمام الحسين ( ع ) ومواعظه |
![]() |
في ظلال القرآن الکريم |
![]() |
شعر الإمام الحسين ( عليه السلام ) |
![]() |
كلام الإمام الحسين ( عليه السلام ) في توحيد الله عز وجل |
![]() |
افراح |
![]() |
البوم الصور |
![]() |
خلفيات الشاشة |
|
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
| شهادة الامام الکاظم(عليه السلام) | |
| كنية الإمام الكاظم ( عليه السلام ) وألقابه | |
| إمامة الإمام الكاظم ( عليه السلام ) | |
| أدعية الإمام موسى الكاظم ( عليه السلام ) لأيام الأسبوع | |
| استجابة دعاء الإمام موسى الكاظم ( عليه السلام ) | |
| سجن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ومحاولة اغتياله | |
| وصية الإمام الكاظم ( عليه السلام ) لهشام بن الحكم حول العقل | |
| تاريخ المشهد الكاظميّ | |
| مواهب الإمام الكاظم ( عليه السلام ) العلمية | |
| مدرسة الامام الكاظم (عليه السلام) | |
| جود الإمام الكاظم ( عليه السلام ) وإغاثته للملهوفين | |
| مناظرة الإمام الكاظم ( عليه السلام ) مع هارون الرشيد | |
| لطميات و احزان | |
| البوم الصور | |
| خلفيات الشاشة |
| ولادة الإمام علي عليه السلام | |
| أول المؤمنين | |
| محبُّ الامام علي عليه السلام محبُّ لله و رسوله صلى الله عليه وآله | |
| فضائل الإمام علي عليه السلام على لسان ابن عباس | |
| عبادة الامام علي عليه السلام | |
| شجاعة الإمام علي عليه السلام | |
| سُمو شخصية الإمام علي عليه السلام | |
| رؤية الإمام علي عليه السلام لحقوق الإنسان | |
| القضاء في فكر الإمام علي عليه السلام | |
| إسلام الرجل اليهودي على يد الإمام علي عليه السلام | |
| ما نظم في الإمام علي عليه السلام من الشعر | |
| افراح | |
| ملف ولادة الامام علي عليه السلام عام1428 | |
| البوم الصور | |
| خلفيات الشاشة |
الغيبة من كبائر الذنوب
الغيبة من الأمراض التي ابتلي يها المجتمع وانتشرت فيه انتشاراً هائلاً ، حتى اصبحت مألوفة لدى افراده ، يفعلها المسلم كأبسط امر يقدم عليه ، مع انها من كبائر الذنوب ، وعظائم المعاصي التي تمزق شمل الأمة ، حيث تزرع الشحناء في النفوس ، وتفصم عرى المودة ، وتقطع روابط الأخوة .
«رب غيبة سببت القتال بين طائفتين وسفكت بها دماء محترمة . ورب غيبة قتلت نفساً بريئة وفرقت بين الأب وبنيه والزوج وزوجته والأخ واخيه ، ورب غيبة هدمت قصوراً عالية ودكت صروحاً شامخة واتلفت اموالاً طائلة» (1) .
تعريفها :
الغيبة هي ان تذكر اخاك المؤمن بما فيه ويكره ان يذكر به ، سواء ذكرت نقصاناًَ في بدنه أو خلقه أو نسبه أو ملابسه أو فعله أو دينه أودنياه وسواء اظهرت ما يكره إظهاره عنه بالتصريح أو التعريض أو الإشارة او الكتابة أو الغمز والرمز .
تحريمها :
حرم الإسلام الغيبة وحذر منها اعظم تحذير ومقتها اشد مقت ، فعدها اعظم من الزنا ، وصورها بما تكرهه النفوس وتنفر منه الطباع ، حيث جعل المغتاب كالآكل للحم أخيه .
قال تعالى : « ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم» (2) . وقال رسول الله (ص) «إياكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا ، إن الرجل يزني ويتوب فيتوب الله عليه وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه» (3) . وقال البراء : «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله حتى اسمع العواتق (4) في بيوتها ، فقال (ص) : يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته» (5) . وقال (ص) : «مررت ليلة أسري بي على قوم يخمشون (6) وجوههم بأظفارهم فقلت يا جبرئيل من هؤلاء ؟ فقال : هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في اعراضهم» (7) . وأوحي الله تعالى إلى موسى ابن عمران (ع) : «من مات تائباً فهو آخر من يدخل الجنة ومن مات مصراً عليها فهو أول من يدخل النار» (8) . وقال أنس : «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله فذكر الربا وعظم شأنه فقال إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا اعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل واربى الربا عرض الرجل المسلم» (9) .
بواعثها :
الأسباب التي تبعث المغتاب إلى الغيبة كثيرة وإليك بعضها :
1 ـ الغضب والحقد :
قد يكون الشخص حاقداً على الآخر لسبب من الأسباب فيدفعه ذلك لأن يطعن عليه ، ويذكر نقائصه وعيوبه ، ويكشف عوراته .
2 ـ الحسد :
وقد يكون الدافع هو ثناء الناس وإطراؤهم للمحسود ، فيتعرض الحاسد له بالقدح والطعن ، مستهدفا بذلك إضعاف معنويته ، وسلب الثقة الإجتماعية منه .
3 ـ موافقة الرفقاء :
وقد يكون السبب الباعث الى الغيبة هو موافقة الرفقاء ومجاملة الجلساء ، فبدلاً من أن ينكر عليهم أو يقوم عنهم يشترك معهم في التفكه بعرض اخيه .
4 ـ رفع النفس :
وقد ينساق الرجل الى الغيبة بسبب رفع نفسه فيحطم شخصية اخيه في سبيل تضخيم شخصيته (10) .
علاجها :
أيها المسلم إذا نازعتك نفسك إلى ذكر عيوب أخيك ونقائصه فتذكر أضرار الغيبة ومفاسدها ، وما ورد فيها من الإثم العظيم ، وانظر إلى عيوبك ونقائصك ، وتول علاجها واستئصالها من نفسك فذلك أحرى بك ، وأبقى لكرامتك ، واسلم لعرضك قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس» (11) .
وثق أنك تعامل بالمثل فإن المرء كما يدين يدان وكما يعمل يجازي ، فاجتنب ما لا تحب أن يفعل بك .
إذا شئت أن تحيى ودينك سالم وحظك موفور وعرضك صين
لسانك لا تذكر به عورة امرء فعندك عورات ولـلناس ألـسن
وعينك إن أهدت إليك مساوياً فدعها وقل : يا عين للناس أعين
واعلم ان الغيبة ليست محصورة في أن تذكر أخاك في غيبته بما يكره فحسب ، بل إن إصغاءك لمن يغتابه غيبة أيضاً ، والمغتاب لو لم يجد من يصغي لحديثه لما اغتاب ، وقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله قال : «الساكت شريك المغتاب» وقال : «المستمع أحد المغتابين» (12) .
فاحذر أن تؤثر إرضاء العواطف ، ومجاملة الجلساء على إرضاء ربك ، والرد عن عرض أخيك وحفظ كرامته .
كفارتها :
كفارة الغيبة : هي أن تتوب منها وتندم على فعلها ، وبذلك تخرج من حق الله تعالى ، ويبقى عليك حق أخيك المؤمن الذي اغتبته ، وطريق الخروج من حقه كما يأتي :
1 ـ إن كان حياً يمكنك الوصول إليه فاذهب اليه واعتذر من فعلك ، واستحله ، وبالغ في الثناء عليه لتطيب نفسه ، وإذا فعلت هذا ولم تطب نفسه ففي ذهابك إليه ، واعتذارك وتأسفك من الأجر ما يقابل إثم الغيبة يوم القيامة .
ويشترط في استحلالك منه : أن لا تكون الغيبة سبباً لوقوع الفتنة بينك وبينه ، سواء بلغته الغيبة قبل ذهابك إليه أو بسبب اعتذارك منه .
2 ـ إن كان من اغتبته ميتاً أو غائباً لا يمكنك الوصول إليه فأكثر له من الاستغفار والدعاء ، ليجعل ثواب ذلك في حسناته يوم القيامة ، ويكون مقابلاً لما تحملت من السيئآت بسبب اغتيابه .
3 ـ إذا كان حياً ولم تبلغه الغيبة وكان في إطلاعك إياه عليها ـ حال التحلل والاعتذار ـ إثارة للفتنة ، فلا تذهب إليه ، بل اكثر من الإستغفار والدعاء له (13) .
المستثنى من الغيبة :
«إن الفاسق المتجاهر بالفسق المتبجح بأعماله المذمومة تجوز غيبته في تلك الأعمال لا غير ، فقد ورد في الحديث (لا غيبة لفاسق) ، وروي عنه (ص) : (من القى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له) .
ووردت الرخصة في تظلم المظلوم من ظالمه لدى من يأخذ له بحقه ، وفي نصح المستشير ، وجرح الشاهد والقدح في باطل ، والشهادة على مرتكب الحرام ، وضابط هذه الرخصة : هو كل مقام يكون هناك غرض صحيح يتوقف حصوله عليه» (14) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)الدروس الاخلاقية ص 67 .
(2) الحجرات ، آية : 12 .
(3) مجموعة ورام ج 1 ص 115 .
(4) العواتق جمع العاتقة وهي الشابة أول ما تدرك .
(5) مجموعة ورام ج 1 ص 115 .
(6) الخمش : اللطمة والخدشة والضرب .
(7) مجموعة ورام ج 1 ص 115 .
(8) مجموعة ورام ج 1 ص 116 .
(9) المصدر نفسه .
(10) انظر مجموعة ورام ج 1 ص 120 .
(11) جامع السعادات ج 2 ص 201 .
(12) مجموعة ورام ج 1 ص 119
(13) جامع السعادات ج 2 ص 309 .
(14) الدروس الاخلاقية ص 71 .
علم الغيب في نظر الشيعة


هل أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام ) يعلمون الغيب ، الذي اختُصَّ به الله عزَّ وجل ؟
نحن ندَّعي علم الغيب للنبي ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام ) ، ولكن لا على نحو الاستقلالية ، بل نقول : إن الله أطلع نبيه ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته ( عليهم السلام ) على الأمور الغيبية التي لم يطَّلِع عليها أحد .
وإن شئت قلت : علم الغيب لذات الشخص وبلا توسط من الغير ، هو العلم الثابت لواجب الوجود ، والذي هو عين الذات ، وهذا مختص بالله ، ولغيره تعالى يعتبر كُفراً .
أما العلم بالغيب الذي هو بتوسط الله تعالى ، وليس هو عين الذات ، فهذا الذي يعلمه الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، والأئمة ( عليهم السلام ) ، وقد دلَّت عليه الآيات ، والروايات ، نذكر منها :
الأولى :
حينما كان الإمام علي ( عليه السلام ) يخبر عن الملاحم بالبصرة ، وما يجرى فيها في المستقبل ، فقال له بعض أصحابه : لقد أُعطيتَ يا أمير المؤمنين علم الغيب ؟!!
فضحك ( عليه السلام ) وقال للرجل - وكان كلبياً - : ( يا أخَا كلب ، ليس هو بعلم غيبٍ ، وإنما هو تعلُّم من ذي علم ، وإنما علم الغيب عِلم الساعة ، وما عدَّده الله سبحانه بقوله : ( إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ) لقمان : 34 .
فهذا هو علم الغيب الذي لا يعلمه أحدٌ إلا الله ، ما سوى ذلك فعلمٌ علَّمه الله ، وما سوى ذلك فعلمٌ علَّمه الله نبيَّه فَعلَّمَنِيه ، ودعا لي بأن يَعيه صدري ، وتضطمَّ عليه جوانحي ) نهج البلاغة / الخطبة 128 .
الثانية :
قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) لهشام : ( إنا نحن نتوارثُ الكمالِ والتمام ، اللَّذَين أنزلهما الله على نبيه في قوله : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا .. ) المائدة : 3 ، والأرض لا تخلو مِمَّن يكمل هذه الأمور التي يقصر عنها غيرنا ) .
فلما سمع ذلك هشام انقلبت عينه اليمنى فاحْوَلَّت ، واحمرَّ وجهه ، وكان ذلك علامةُ غضبه إذا غضب ، ثم أطرق هنيئة ، ثم رفع رأسه فقال للإمام ( عليه السلام ) : ألسنا بنو عبد مناف نسبنا ونسبكم واحد ؟
فقال ( عليه السلام ) : ( نحن كذلك ، ولكن الله جلَّ ثناؤه اختصَّنا من مَكنون سِرِّه ، وخالص عِلمه ، بما لم يختص أحداً به غيرنا ) .
فقال : أليس الله جلَّ ثناؤه بعث محمداً من شجرة عبد مناف إلى الناس كافَّة ، أبيضها وأسودها وأحمرها ، من أين ورثتم ما ليس لغيركم ، ورسول الله مبعوث إلى الناس كافة ؟ وذلك قول الله تبارك وتعالى : ( وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .. ) آل عمران : 180 ، الحديد : 10 .
فمن أين ورثتم هذا العلم وليس بعد محمد نبي ، ولا أنتم أنبياء ؟
فقال ( عليه السلام ) : ( من قوله تعالى لنبيه ( صلى الله عليه وآله ) : ( لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ )) القيامة : 16 .
فالذي أبداه فهو للناس كافة ، والذي لم يحرك به لسانه ، أمر الله تعالى أن يخصَّنا به من دون غيرنا ، فلذلك كان ( صلى الله عليه وآله ) يناجي أخاه عليا ( عليه السلام ) من دون أصحابه ، وأنزل الله بذلك قرآناً في قوله تعالى : ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) الحاقة : 12 .
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لأصحابه : ( سألت الله تعالى أن يجعلها أذنك يا علي ) .
فلذلك قال علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) بالكوفة : ( علمني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ألف باب من العلم ، يُفتح من كل باب ألف باب ) ، خَصَّه به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من مَكنون علمه ، ما خَصَّه الله به ، فصار إلينا ، وتوارثناه من دون قومنا ) .
فقال هشام : إن عليا كان يدَّعي علم الغيب ، والله لم يُطلِع على غيبه أحداً ، فمن أين ادَّعى ذلك ؟
فقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( إن الله جلَّ ذكره أنزل على نبيِّه ( صلى الله عليه وآله ) كتاباً ، بَيَّن فيه ما كان ، وما يكون ، إلى يوم القيامة ، في قوله : ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) النحل : 89 .
وفي قوله : ( وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) يس : 12 ، وفي قوله : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) الأنعام : 38 .
وفي قوله : ( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) النمل 75 .
وأوحى الله تعالى إلى نبيه ( صلى الله عليه وآله ) أن لا يُبقِي في غَيبه ، وسِرِّه ، ومكنون علمه شيئاً ، إلا يناجي به علياً ، فأمره أن يؤلف القرآن من بعده ، ويتولَّى غُسله وتكفينه وتحنيطه من دون قومه .
وقال ( صلى الله عليه وآله ) لأصحابه : ( حرام على أصحابي ، وأهلي ، أن ينظروا إلى عورتي غير أخي علي ، فإنه مني ، وأنا منه ، له ما لِي ، وعليهِ ما عَلَيَّ ، وهو قاضي ديني ، ومنجز موعدي ) .
ثم قال ( صلى الله عليه وآله ) لأصحابه : ( علي بن أبي طالب يقاتل على تأويل القرآن ، كما قاتلت على تنزيله ، ولم يكن عند أحد تأويل القرآن بكماله وتمامه إلا عند علي ) .
ولذلك قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لأصحابه : ( أقضاكم علي ) ، أي هو قاضيكم ، وقال عمر بن الخطاب : لولا علي لهلك عمر ، أفيشهد له عمر ويجحد غيره ) ؟!
الثالثة :
عن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) : ( ألا إنَّ للعبد أربع أعين : عينان يبصر بهما أمر دينه ودنياه ، وعينان يبصر بهما أمر آخرته ، فإذا أراد الله بعبد خيراً فتح له العينين في قلبه فأبصر بهما الغيب في أمر آخرته ) الخصال 1 / 240 ح 90 باب الأربعة .
وذكر المتقي الهندي الحديثَ في كتابه كنز العمال 2 / 42 ح 3043 ، بلفظ مشابه لهذا الحديث .
الرابعة :
أخبر الإمام الرضا ( عليه السلام ) ابن هذَّاب بما يجري عليه في المستقبل ، حيث قال ( عليه السلام ) له : ( إنْ أخبرتُك أنك سَتُبلى في هذه الأيام بذي رحم لك ، كنتَ مُصدِّقاً لي ) ؟ قال : لا ، فإن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى .
قال ( عليه السلام ) : ( أوَ ليس الله يقول : ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ .. ) الجن : 26 - 27 .
فرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عند الله مرتضى ، ونحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على ما يشاء من غيبه ، فعلمنا ما كان ، وما يكون ، إلى يوم القيامة .
وإن الذي أخبرتُك يا ابن هذاب لكائنٌ إلى خمسة أيام ، فإن لم يَصحُّ ما قلتُ فبهذه المدة ، وإلا فإني كذَّاب مُفتَرٍ ، وإن صَحَّ فَتعلَمُ أنَّك الرَّادُّ على الله ، وعلى رسوله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولك دلالة أخرى ، فَتُصاب بِبَصرك وتصير مكفوفاً ، فلا تبصر سهلاً ولا جبلاً ، وهذا كائن بعد أيام ، ولك عندي دلالة أخرى ، إنَّك ستحلِفُ يميناً كاذبة فَتُضرَب بأبرص ) .
قال محمد بن الفضل : بالله لقد نزل ذلك كله بابن هذاب [ الخرايج والجرايح للراوندي 306 الباب التاسع ] .
نقول : هذه رواية صريحة في علمهم ( عليهم السلام ) للغيب .
الخامسة :
وفي خطبة للإمام علي ( عليه السلام ) يذكر فيها صفات الإمام ، جاء فيها : ( ويلبسُ الهيبةَ ، وعلم الضمير ، ويطَّلع على الغيب ، ويعطي التصرُّف على الإطلاق ) مشارق أنوار اليقين : 115 .
السادسة :
قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( نبئت وآدمَ بين الروح والجسد ) .
وقال ( صلى الله عليه وآله ) أيضاً : ( وجبت لي وآدم بين الروح والجسد ) فضائل ابن شاذان : 34 ، كنز العمال 12 / 426 .
نقول : فكونه ( صلى الله عليه وآله ) نبيّاً ينبأ ، في غاية الوضوح والدلالة على تلقيه العلوم في ذلك العالم ، إذ يستحيل أن الله اتَّخذ نبيا ونبأه وهو فاقد للعلم ، وفيما ذكرناه من الروايات كاف لمن ألقي السمع وهو شهيد .
التقية في نظر الشيعة التطور والإبداع عن الشيعة الإمامية
علي شريعتي

علي شريعتي مفكر إيراني شيعي مشهور. اسمه الكامل: علي محمد تقي شريعتي. ولد قرب مدينة مشهد عام 1933، وتخرج من كلية الآداب بها عام 1955، ليُرشح لبعثة لفرنسا عام 1959 لدراسة علم الأديان وعلم الاجتماع ليحصل على شهادتي دكتوراه في تاريخ الإسلام وعلم الاجتماع. انضوى في شبابه في حركة مصدِّق وعمل بالتدريس واعتقل مرتين أثناء دراسته بالكلية، ثم بعد عودته من فرنسا، حيث أسس عام 1969م حسينية الإرشاد لتربية الشباب، وعند إغلاقها عام 1973 اعتقل هو ووالده لمدة عام ونصف. ثم سافر إلى لندن، واغتيل عام 1977 قبل الثورة الإيرانية بعامين عن 43 سنة. الرأي السائد أن ذلك تم على يد مخابرات الشاه، والبعض (مثل حسن العلوي) يرى أن ذلك تم على يد دعاة التشيع الصفوي-يقصد الخمينيين بأعتبار علي شريعتي معارض لهم.
يعتبر الدكتور علي شريعتي نموذج فريد من مفكري إيران. حيث أنه بالرغم من أنه فارسي العرق، لم يكن يتوقف عن نقد النزعة الشعوبية لدى رجال التشيع الصفوي، بطريقة أكثر جذرية من غالب من تصدَّى لهذا الموضوع من الأدباء العرب. وقد بَيَّن آلية المزج في الموروث الشيعي الروائي ما بين السلطة الإيرانية الساسانية والنبوة الإسلامية، حيث اختُلِقَتْ الروايات ونُسِجَتْ الأساطير وعلاقات المصاهرة بين إمام الشيعة الحسين بن علي وبنت كسرى المزعومة: لتحقيق غرض الوصل بين السلسلة السلطانية الساسانية وبين السلطة الإمامية الشيعية، ولبعث العناصر الفارسية في صلب التشيع.
وبالرغم من كونه شيعياً متعصباً (يصف مجموعة من كبار الصحابة بأنها باعت شرفها وجمعت نقودها ببيع كل حديث بدينار) فلا فائدة في رأيه من الشعائر والطقوس الحسينية التي يتهم الحكامَ الصفويين بأنهم اقتبسوها من المحافل المسيحية في أوروبا الشرقية التي كانت تحيي فيها ذكرى شهدائها، وبأنهم حولوا الإمام الحسين إلى صورة عن آلام Passion المسيح. وحتى يتم صبغ هذه الطقوس والشعائر بالصبغة الإيرانية، أدخل الملالي عليها بعض التعديلات لتوافق الذوق الشعبي الإيراني وجعلوها موائمة للأعراف والتقاليد الوطنية والمذهبية في إيران. أما لغة هذه الطقوس فهي لغة التصوف وأعمال الدراويش ومبالغات خطباء المنابر وشعراء العامة.
[تحرير] من أشهر كتبه:
• علي اسطورة تاريخ
• مذهب عليه مذهب
• التشيع العلوي والتشيُّع الصفوي
• دين ضد الدين
• العودة إلى الذات
• فاطمة هي فاطمة
• النباهة والإستحمار
• أبي .. أمي .. نحن متهمون




